نشر بواسطة: Nileestate

لماذا تفشل بعض الصفقات العقارية وكيف نصنع مساحة مشتركة عادلة بين البائع والمشتري
في كثير من الصفقات العقارية لا تكون المشكلة الحقيقية في السعر وحده
بل في غياب ارضية مشتركة يفهم من خلالها كل طرف الطرف الاخر
فالبائع يدخل الصفقة وهو يحمل تصورا معينا عن قيمة عقاره
والمشتري يدخلها وهو يحمل تصورا مختلفا عن القيمة والمخاطرة والبدائل
وحين يتحدث كل طرف من جزيرته الخاصة تتحول الصفقة بسهولة الى شد وجذب وسوء فهم وتوتر
لكن الصفقة العقارية الناجحة لا تقوم فقط على اتفاق على رقم
بل تقوم على بناء مساحة مشتركة تراعى فيها المصالح والمخاوف والتوقعات والحدود المعقولة لكل طرف
العقار ليس مجرد سلعة عادية
هو اصل مالي نعم
لكنه ايضا يرتبط بالامان والمكانة والذكريات والتعب والاحتياج والتوقيت
لذلك فالبائع لا يرى العقار كما يراه المشتري
البائع يعرف تفاصيله وتاريخه وما انفقه عليه وما يراه فيه من قيمة
اما المشتري فينظر الى العقار من زاوية اخرى
يقارنه بالسوق
ويقيسه بالفرص البديلة
ويفكر في المخاطر والمصروفات والقرار نفسه
من هنا يظهر اول سبب للتباعد
كل طرف يرى شيئا مختلفا حتى لو كان ينظر الى العقار نفسه
المشكلة ليست في السعر فقط :
في ظاهر الامر يبدو ان الخلاف يدور حول رقم
لكن في العمق يكون الخلاف غالبا حول اشياء اكبر مثل
ولهذا فإن كثيرًا من الصفقات لا تفشل لأن الفارق المالي كبير فقط
بل لأنها تفشل في خلق شعور مشترك بالعدالة والاطمئنان
المساحة المشتركة ليست تنازلا كاملا من طرف لطرف
وليست مجاملة
وليست كلاما مثاليا عن رضا الجميع
هي ببساطة منطقة تفاهم عملية
يشعر فيها البائع ان حقه في التقدير محفوظ
ويشعر فيها المشتري ان حقه في الفحص والمقارنة والحذر محفوظ ايضا
هي المساحة التي يتحول فيها التفاوض من معركة الى محاولة للوصول الى حل معقول
ومن شد بين طرفين الى حوار بين مصلحتين
وعندما تنشأ هذه المساحة تصبح الصفقة اكثر نضجا
واكثر استقرارا
واكثر قابلية للتنفيذ
هناك عدة اسباب متكررة
اختصار كل شيء في السعر
حين يصبح الحديث كله عن كم تريد وكم ستدفع
تضيع عناصر اخرى كثيرة كان يمكن ان تساعد في الوصول الى اتفاق
الخلط بين القيمة والكرامة
البائع قد يسمع العرض المنخفض كأنه تقليل من شأنه
والمشتري قد يسمع تمسك البائع بسعره كأنه تعنت او مبالغة
غياب لغة مشتركة
كل طرف يتكلم من منطقه الخاص
ولا يوجد من يساعد على ترجمة هذا المنطق للطرف الاخر بطريقة هادئة ومفهومة
هذه من اهم النقاط في اي صفقة ناجحة
الموقف هو ما يقوله الطرف
اما المصلحة فهي ما يقف خلف هذا القول
حين يقول البائع لن ابيع بأقل من هذا الرقم
فهذا موقف
لكن خلفه قد تكون هناك مصلحة مثل حاجته الى مبلغ محدد او رغبته في الحفاظ على قيمة عقاره او عدم شعوره بأنه تنازل اكثر من اللازم
وحين يقول المشتري هذا السعر مبالغ فيه
فهذا ايضا موقف
لكن خلفه قد تكون هناك مصلحة مثل الخوف من دفع اكثر من السوق او الحاجة الى امان مالي او القلق من المصروفات اللاحقة
حين نبقى عند المواقف يشتد الخلاف
لكن حين نصل الى المصالح تبدأ الحلول في الظهور
بناء هذه الارضية لا يحتاج الى عاطفة فقط
بل يحتاج الى وعي وطريقة عمل واضحة
من البداية يجب ان يفهم الطرفان ان الهدف ليس هزيمة احدهما
بل الوصول الى نقطة متوازنة تحقق مصلحة معقولة لكل طرف
من حق البائع ان يخاف من بخس القيمة
ومن حق المشتري ان يخاف من المبالغة في السعر
وحين تعترف الصفقة بهذه المخاوف يصبح النقاش اكثر واقعية واكثر احتراما
كلمات مثل هذا عرض مهين او انت لا تفهم السوق او هذا سعر خيالي
تغلق التفاوض ولا تفتحه
اما اللغة الافضل فهي مثل
كيف تم تقدير هذا الرقم
ما العناصر التي تدعم هذا السعر
اين يمكن تقريب وجهات النظر
ما الشروط التي تجعل الصفقة مريحة للطرفين
ليس السعر وحده هو ما يصنع الاتفاق
هناك عناصر اخرى قد تكون مؤثرة جدا مثل
كلما اتسعت هذه العناصر زادت فرص الوصول الى حل متوازن
من الطبيعي ان تكون هناك مشاعر مرتبطة بالعقار
لكن لا يجب ان تسيطر وحدها على القرار
المطلوب هو فهم هذه المشاعر واحترامها ثم تحويلها الى حوار منظم
من المهم ان يبنى النقاش على معايير مفهومة للطرفين مثل
حين يشعر الطرفان ان الصفقة تستند الى معايير واضحة تقل مساحة التوتر وتزداد مساحة الفهم
دور الوسيط العقاري في بناء الجسر :
الوسيط العقاري الحقيقي لا يقتصر دوره على نقل عرض ورد
بل هو في افضل حالاته من يصنع الجسر بين البائع والمشتري
هو الذي يفهم طريقة تفكير كل طرف
ويعيد صياغة الخلاف بلغة يمكن تحملها
ويخفف التوتر
ويمنع الكلمات من ان تفسد ما يمكن اصلاحه
ويوسع دائرة الحلول
ويجعل كل طرف يشعر انه مسموع لا مستهدف
الوسيط الناضج لا يدير رقما فقط
بل يدير علاقة تفاوضية كاملة
وهذا هو الفارق بين مجرد السمسرة وبين الوساطة العقارية الراقية
حين تنجح
يقل التوتر
وتزداد الجدية
ويصبح الحديث عن الحل بدلا من الاتهام
وتظهر بدائل اكثر
ويصبح القرار اوضح للطرفين
والاهم من ذلك ان الصفقة تصبح اكثر استقرارا
فالصفقات التي تتم تحت ضغط او غموض او شعور بالهزيمة تكون اكثر عرضة للتراجع او الخلاف او الندم
اما الصفقة التي تبنى على ارضية مشتركة فهي لا تنتج عقدا فقط
بل تنتج قابلية للتنفيذ والالتزام باحترام
هل يعني هذا ان مصالح الطرفين ستتطابق ؟
لا
المصالح لن تتطابق
فالبائع سيظل يريد افضل عائد ممكن
والمشتري سيظل يريد افضل صفقة ممكنة
لكن الفرق بين التفاوض غير الناضج والتفاوض الناضج هو ان الاول يحول هذا الاختلاف الى صراع
بينما الثاني يحوله الى معادلة قابلة للتوازن
الهدف ليس الغاء الاختلاف
بل ادارته بشكل محترم وذكي
يحتاج الى ثلاثة امور واضحة
بدلا من منطق اكسب اقصى ما يمكن
نحتاج الى منطق يقول
افهم مصلحة الطرف الاخر
ودافع عن حقك دون ان تهدم الجسر
وابن صفقة قابلة للحياة
الوسيط الذي لا يرى الا العمولة لن ينجح في صناعة ارضية مشتركة
اما الوسيط الذي يفهم السوق والنفس البشرية وبنية القرار فهو القادر على تحويل التوتر الى تفاوض ناضج
كلما فهم البائع والمشتري ان الصفقة ليست معركة اثبات قوة
بل بناء حل
اصبح الوصول الى اتفاق اسهل وافضل
ما بين البائع والمشتري لا توجد فقط فجوة في السعر
بل توجد فجوة في التوقع والخبرة واللغة والمخاوف وطريقة النظر الى العقار
وحين تترك هذه الفجوة بلا جسر
يتحول التفاوض الى جزر منفصلة
بائع في جزيرته
ومشتري في جزيرته
وكل منهما يظن انه وحده صاحب المنطق
لكن الصفقة العقارية الناضجة لا تصنع بهذه الطريقة
بل تصنع حين ننجح في بناء ارضية مشتركة
يراعى فيها حق البائع
وحق المشتري
وهواجس كل طرف
وخبرته
وما يمكن اعتباره عادلا ومعقولا
وعندها لا تكون الصفقة مجرد اتفاق على رقم
بل تصبح اتفاقا على معنى مقبول للعدالة
وهذا هو الشكل الأرقى للنجاح في السوق العقاري
ليس ان ينتصر طرف على طرف
بل ان تنجح الصفقة في خلق مساحة يقف عليها الطرفان معا
0 تعليق
أترك تعليق