main_logo

لماذا تفشل بعض الصفقات العقارية

أبريل 09

نشر بواسطة: Nileestate

blog-image

لماذا تفشل بعض الصفقات العقارية وكيف نصنع مساحة مشتركة عادلة بين البائع والمشتري

في كثير من الصفقات العقارية لا تكون المشكلة الحقيقية في السعر وحده
بل في غياب ارضية مشتركة يفهم من خلالها كل طرف الطرف الاخر

فالبائع يدخل الصفقة وهو يحمل تصورا معينا عن قيمة عقاره
والمشتري يدخلها وهو يحمل تصورا مختلفا عن القيمة والمخاطرة والبدائل
وحين يتحدث كل طرف من جزيرته الخاصة تتحول الصفقة بسهولة الى شد وجذب وسوء فهم وتوتر

لكن الصفقة العقارية الناجحة لا تقوم فقط على اتفاق على رقم
بل تقوم على بناء مساحة مشتركة تراعى فيها المصالح والمخاوف والتوقعات والحدود المعقولة لكل طرف

لماذا يبدو البائع والمشتري وكأنهما في عالمين مختلفين ؟

العقار ليس مجرد سلعة عادية
هو اصل مالي نعم
لكنه ايضا يرتبط بالامان والمكانة والذكريات والتعب والاحتياج والتوقيت

لذلك فالبائع لا يرى العقار كما يراه المشتري
البائع يعرف تفاصيله وتاريخه وما انفقه عليه وما يراه فيه من قيمة
اما المشتري فينظر الى العقار من زاوية اخرى
يقارنه بالسوق
ويقيسه بالفرص البديلة
ويفكر في المخاطر والمصروفات والقرار نفسه

من هنا يظهر اول سبب للتباعد
كل طرف يرى شيئا مختلفا حتى لو كان ينظر الى العقار نفسه

المشكلة ليست في السعر فقط :

في ظاهر الامر يبدو ان الخلاف يدور حول رقم
لكن في العمق يكون الخلاف غالبا حول اشياء اكبر مثل

  • ما هو السعر العادل
  • هل الطرف الاخر جاد
  • هل هناك احترام متبادل
  • هل انا اتخذ قرارا ام اتعرض لضغط
  • هل ما اعرضه او ادفعه منطقي
  • هل الصفقة آمنة وواضحة

ولهذا فإن كثيرًا من الصفقات لا تفشل لأن الفارق المالي كبير فقط
بل لأنها تفشل في خلق شعور مشترك بالعدالة والاطمئنان

ما المقصود بالمساحة المشتركة في الصفقة العقارية ؟

المساحة المشتركة ليست تنازلا كاملا من طرف لطرف
وليست مجاملة
وليست كلاما مثاليا عن رضا الجميع

هي ببساطة منطقة تفاهم عملية
يشعر فيها البائع ان حقه في التقدير محفوظ
ويشعر فيها المشتري ان حقه في الفحص والمقارنة والحذر محفوظ ايضا

هي المساحة التي يتحول فيها التفاوض من معركة الى محاولة للوصول الى حل معقول
ومن شد بين طرفين الى حوار بين مصلحتين

وعندما تنشأ هذه المساحة تصبح الصفقة اكثر نضجا
واكثر استقرارا
واكثر قابلية للتنفيذ

لماذا تفشل هذه المساحة في كثير من الصفقات ؟

هناك عدة اسباب متكررة

اختصار كل شيء في السعر

حين يصبح الحديث كله عن كم تريد وكم ستدفع
تضيع عناصر اخرى كثيرة كان يمكن ان تساعد في الوصول الى اتفاق

الخلط بين القيمة والكرامة

البائع قد يسمع العرض المنخفض كأنه تقليل من شأنه
والمشتري قد يسمع تمسك البائع بسعره كأنه تعنت او مبالغة

غياب لغة مشتركة

كل طرف يتكلم من منطقه الخاص
ولا يوجد من يساعد على ترجمة هذا المنطق للطرف الاخر بطريقة هادئة ومفهومة

الفرق بين الموقف والمصلحة ؟

هذه من اهم النقاط في اي صفقة ناجحة

الموقف هو ما يقوله الطرف
اما المصلحة فهي ما يقف خلف هذا القول

حين يقول البائع لن ابيع بأقل من هذا الرقم
فهذا موقف
لكن خلفه قد تكون هناك مصلحة مثل حاجته الى مبلغ محدد او رغبته في الحفاظ على قيمة عقاره او عدم شعوره بأنه تنازل اكثر من اللازم

وحين يقول المشتري هذا السعر مبالغ فيه
فهذا ايضا موقف
لكن خلفه قد تكون هناك مصلحة مثل الخوف من دفع اكثر من السوق او الحاجة الى امان مالي او القلق من المصروفات اللاحقة

حين نبقى عند المواقف يشتد الخلاف
لكن حين نصل الى المصالح تبدأ الحلول في الظهور

كيف نصنع ارضية مشتركة حقيقية ؟

بناء هذه الارضية لا يحتاج الى عاطفة فقط
بل يحتاج الى وعي وطريقة عمل واضحة

1 فهم الصفقة على انها حل لا معركة

من البداية يجب ان يفهم الطرفان ان الهدف ليس هزيمة احدهما
بل الوصول الى نقطة متوازنة تحقق مصلحة معقولة لكل طرف

2 الاعتراف بمخاوف الطرفين

من حق البائع ان يخاف من بخس القيمة
ومن حق المشتري ان يخاف من المبالغة في السعر
وحين تعترف الصفقة بهذه المخاوف يصبح النقاش اكثر واقعية واكثر احتراما

3 تهذيب اللغة

كلمات مثل هذا عرض مهين او انت لا تفهم السوق او هذا سعر خيالي
تغلق التفاوض ولا تفتحه

اما اللغة الافضل فهي مثل
كيف تم تقدير هذا الرقم
ما العناصر التي تدعم هذا السعر
اين يمكن تقريب وجهات النظر
ما الشروط التي تجعل الصفقة مريحة للطرفين

4 توسيع عناصر التفاوض

ليس السعر وحده هو ما يصنع الاتفاق
هناك عناصر اخرى قد تكون مؤثرة جدا مثل

  • توقيت السداد
  • العربون
  • فترة الاخلاء
  • المنقولات او التجهيزات
  • بعض الرسوم
  • موعد التسليم
  • الضمانات القانونية
  • طريقة التوثيق

كلما اتسعت هذه العناصر زادت فرص الوصول الى حل متوازن

5 الفصل بين المشاعر وهيكل الصفقة

من الطبيعي ان تكون هناك مشاعر مرتبطة بالعقار
لكن لا يجب ان تسيطر وحدها على القرار
المطلوب هو فهم هذه المشاعر واحترامها ثم تحويلها الى حوار منظم

6 بناء معيار مشترك للعدالة

من المهم ان يبنى النقاش على معايير مفهومة للطرفين مثل

  • حالة العقار
  • الموقع
  • وضع السوق
  • الندرة
  • توقيت البيع
  • الغرض من الشراء

حين يشعر الطرفان ان الصفقة تستند الى معايير واضحة تقل مساحة التوتر وتزداد مساحة الفهم

دور الوسيط العقاري في بناء الجسر :

الوسيط العقاري الحقيقي لا يقتصر دوره على نقل عرض ورد
بل هو في افضل حالاته من يصنع الجسر بين البائع والمشتري

هو الذي يفهم طريقة تفكير كل طرف
ويعيد صياغة الخلاف بلغة يمكن تحملها
ويخفف التوتر
ويمنع الكلمات من ان تفسد ما يمكن اصلاحه
ويوسع دائرة الحلول
ويجعل كل طرف يشعر انه مسموع لا مستهدف

الوسيط الناضج لا يدير رقما فقط
بل يدير علاقة تفاوضية كاملة
وهذا هو الفارق بين مجرد السمسرة وبين الوساطة العقارية الراقية

ماذا يحدث عندما تنجح هذه الارضية المشتركة ؟

حين تنجح
يقل التوتر
وتزداد الجدية
ويصبح الحديث عن الحل بدلا من الاتهام
وتظهر بدائل اكثر
ويصبح القرار اوضح للطرفين

والاهم من ذلك ان الصفقة تصبح اكثر استقرارا
فالصفقات التي تتم تحت ضغط او غموض او شعور بالهزيمة تكون اكثر عرضة للتراجع او الخلاف او الندم

اما الصفقة التي تبنى على ارضية مشتركة فهي لا تنتج عقدا فقط
بل تنتج قابلية للتنفيذ والالتزام باحترام

هل يعني هذا ان مصالح الطرفين ستتطابق ؟

لا
المصالح لن تتطابق
فالبائع سيظل يريد افضل عائد ممكن
والمشتري سيظل يريد افضل صفقة ممكنة

لكن الفرق بين التفاوض غير الناضج والتفاوض الناضج هو ان الاول يحول هذا الاختلاف الى صراع
بينما الثاني يحوله الى معادلة قابلة للتوازن

الهدف ليس الغاء الاختلاف
بل ادارته بشكل محترم وذكي

ما الذي يحتاجه السوق العقاري كي ينتشر هذا الفهم ؟

يحتاج الى ثلاثة امور واضحة

اولا خطاب مهني اكثر نضجا :

بدلا من منطق اكسب اقصى ما يمكن
نحتاج الى منطق يقول
افهم مصلحة الطرف الاخر
ودافع عن حقك دون ان تهدم الجسر
وابن صفقة قابلة للحياة

ثانيا وسطاء اكثر وعيا :

الوسيط الذي لا يرى الا العمولة لن ينجح في صناعة ارضية مشتركة
اما الوسيط الذي يفهم السوق والنفس البشرية وبنية القرار فهو القادر على تحويل التوتر الى تفاوض ناضج

ثالثا وعي اكبر من العملاء انفسهم :

كلما فهم البائع والمشتري ان الصفقة ليست معركة اثبات قوة
بل بناء حل
اصبح الوصول الى اتفاق اسهل وافضل

بإختصار:

ما بين البائع والمشتري لا توجد فقط فجوة في السعر
بل توجد فجوة في التوقع والخبرة واللغة والمخاوف وطريقة النظر الى العقار

وحين تترك هذه الفجوة بلا جسر
يتحول التفاوض الى جزر منفصلة
بائع في جزيرته
ومشتري في جزيرته
وكل منهما يظن انه وحده صاحب المنطق

لكن الصفقة العقارية الناضجة لا تصنع بهذه الطريقة
بل تصنع حين ننجح في بناء ارضية مشتركة
يراعى فيها حق البائع
وحق المشتري
وهواجس كل طرف
وخبرته
وما يمكن اعتباره عادلا ومعقولا

وعندها لا تكون الصفقة مجرد اتفاق على رقم
بل تصبح اتفاقا على معنى مقبول للعدالة

وهذا هو الشكل الأرقى للنجاح في السوق العقاري
ليس ان ينتصر طرف على طرف
بل ان تنجح الصفقة في خلق مساحة يقف عليها الطرفان معا

0 تعليق

مشاركة

أترك تعليق

Whatsapp